الجمعة، 10 أبريل 2015

ليلة في مستشفى النساء والولادة

بسم الله الرحمن الرحيم


(إنتقام إلهي، عدالة أم حب من الله؟)


قال لنا أحد أساتذتنا يوماً: هناك نوعان من البشر، أطباء، وباقي الناس
لم يكن هذا من قبيل التعصب، بل لأن حياة الأطباء تختلف فعلاً عن باقي الناس من وجوه عدة:ـ

الطبيب هو أول من يلتقي بك لحظة مغادرتك لعالم الأرحام ووصولك لهذه الأرض، يراك ويحملك قبل أمك!ـ

بل هو أول مَن يراك مِن البشر وأنت في عالم الأرحام!ـ

وهو أيضاً آخر من يُودّعك وأنت تغادر هذه الدنيا إلى عالم البرزخ!ـ

الطبيب هو الإنسان الوحيد الذي يتجرد المريض أمامه – طواعيةً – من كل ما يستره مادياً ونفسياً، ويكشف له عن عوراته البدنية والنفسية، ولهذا كان قسم الطبيب بحفظ أسرار المريض.

الطبيب هو من يراك في لحظات ضعفك، ويعرف أدق أسرارك.

إن عمل الطبيب في أغلبه: هتك للأعراض وإلحاق أذى بدني بالآخر، ولكن برخصة!، ليس هذا وحسب، بل بمقابل مادي تدفعه الضحية!ـ

المناسبات السعيدة كميلاد طفل جديد، والحزينة كالوفاة تكاد تكون معدودة في حياة الإنسان العادي، ولكنها أحداث يومية في حياة الطبيب، تفقد معناها – أغلب الأحيان – من تكرار حدوثها، وأي طبيب إمتياز يذكر الفرق بين رد فعله على وفاة مريض في الأيام الأولى من سنة الإمتياز، وآخر أيام السنة!ـ


ووسط هذه الحياة الغريبة، لابد أن تأتي رسائل من الله تعالى وعلامات على طريق الحياة، قد تمر على العديد وسط زحمة الأحداث، وقد يتوقف عندها البعض متأملاً؛ ما المغزى وما الدرس المستفاد؟

لو كتب كل طبيب ما تعرّض له من وقائع، تفوق في إثارتها ما نقرأه أو نشاهده من روايات، لكان هذا مُعيناً لنا جميعاً على فهم أفضل لحقيقة هذه الدنيا، وأنها فعلاً "دنيا" من الدنو، وبتأمل مضاد الكلمة "عُليا" نرى في الدنيا كل رسوب ونقص وقلة، بل وخِسّة في أحيانٍ كثيرة!ـ

ومن هذه الحكايات، حكاية طويلة إستغرقت عقدين من الزمان، شهدنا الفصل الأخير منها في فترة التدريب بمستشفى النساء والتوليد بجامعة عين شمس، أثناء سنة الإمتياز.
كانت ليلة حزينة على جميع من شهدها، إقشعرت فيها جلودنا لهول ما رأيناه!ـ

البداية كانت قبلها بعشرين سنة تقريباً، رجل أعمال في مقتبل عمره عاش حياته بين أندونيسيا ومصر، ورث عن أبيه ثروة ضخمة، وذكاء وخبرة في إدارة أعمال والده التي تتركز في جنوب شرق آسيا، تزوج بعد قصة حب قصيرة بكريمة صديق لوالده في أندونيسيا، ورثت عن أمها الجمال الأسيوي!ـ

عاش الزوجان حياة سعيدة، حتى استشعرا تأخر وصول ولي العهد، وبعد كشف مبدأي لم يظهر أي عيب في أي منهما!ـ
سافرا للخارج، وأكدت الفحوصات خلوهما من أي مانع. نصحهما الأطباء بالتريث قبل تجربة أطفال الأنابيب.
بعد فترة شعرت الزوجة بآلآم في الحوض، وأظهرت الآشعة وجود أورام ليفية على الرحم، تم إستئصالها، ليعود الزوجان لكرسي الإنتظار، إنتظار ولي العهد!ـ



يقرر الزوجان خوض تجربة أطفال الأنابيب، فالرجل يريد وريث لثروته التي تزيد وتتسع، والسيدة تريد أن تُشبع غريزة الأمومة، بعدما أشبعت غريزة المال والسلطة والزواج.
تفشل التجربة تلو الأخرى، وتعود الزوجة لتشتكي من آلام بالحوض، أورام ليفية صغيرة عديدة، يتم إستئصالها، وتعود الكرّة؛ إنتظار، سفر للخارج، لا شيء، أورام ليفية، ،،،،ـ

مرّ أكثر من خمسة عشر عاماً دون فائدة، وذهبا لطبيب نساء شهير في القاهرة، شرح لهما أنه في بعض الأحيان لا يكون هناك عيب عضوي في الزوجين ومع ذلك يتأخر الإنجاب، ووضّح لهما أن الأورام الليفية العديدة ليست خطراً، وقد تتكرر مستقبلاً.
ونصحهما بالدعاء والصبر، وأن يتركا الأمر لله، خاصةً وأنهما بذلا كل ما في وسعهما.

هنا قال الزوج: أنا تعبت في الفلوس دي والثروة دي، عايز حد من صُلبي يشيلها، إخواتي مستنيين موتي عشان يورثوني بعد ما ضيّعوا بغبائهم ورث المرحوم والدي. ناس نصحوني أتجوز ومراتي عارفة ده! لكني باحبها وعايز إبني منها، وبعدين أتجوز ليه وماحدش فينا فيه أي عيب؟

قال له الطبيب: الطب عمل اللي يقدر عليه يافندم، مافيش مانع عضوي عشان نعالجه، جربنا أطفال الأنابيب والحقن المجهري، ومافيش نتيجة، حضراتكم قولتوا إنكم جربتوا الطب الصيني قبل كده، وماحصلش نصيب! اللي عايز اقوله إن دي حاجة بتاعت ربنا، وبعيداً عن إني الدكتور بتاعكم، فلو تسمح لي أقول لحضرتك حاجة؟
أجابه الزوج بنعم، إتفضل يا دكتور.

إسترسل الطبيب: ربنا سبحانه وتعالى رزقك بالمال والخبرة في إدارته، بسم الله ما شاء الله حضرتك رجل أعمال ناجح وليك إستثمارات في ودول تانية كمان. طيب، ما تفكروا إن ربنا رزقكم بالمال عشان تستغلوه في فعل الخير اللي له علاقة بالأطفال، إعمل دار أيتام، مستشفى أطفال، ،،

هنا قاطعه الزوج وبحدة: ربنا ما رزقنيش المال! ده ورث والدي، وأنا تعبت فيه! وبعدين هو مش بمزاجه يديني حاجة ممكن أجيبها لوحدي، ويمنعني حاجة أنا عايزها! مش عايز منه فلوس، أنا أعرف أجيب فلوس... أنا عايز ولد، محتاج ولد!ـ
ظهر الوجوم والدهشة على وجه الطبيب: أستغفر الله العظيم، أنا رأيي تستريحوا شوية، وأشوفكم بعد أسبوع.

مرت سنوات قليلة يأست فيها الزوجة من وصول الولد، وأقاما معظم الوقت عند والدة الزوجة في أندونيسيا، وانغمس الرجل في جمع المال، وافتتح عملاً جديداً في كوريا الجنوبية.

ـ"أنا حامل يا حبيبي!" لم يصدق الرجل ما سمعه من زوجته عبر الهاتف، ولم يصدق عينيه عندما رأى الأشعة عند الطبيب!ـ
ما هذا؟؟!! لا أصدق!ـ
ليس طفلاً واحداً، ولا إثنان، بل ثلاثة توائم
هل كنتِ تأخذين أي علاج لتحفيز المبايض؟ سألهم الطبيب في جاكرتا العاصمة، وأجابت بـ"لا"!ـ
سبحان الله! ثلاثة توائم دون علاج هرموني وفي هذه السن المتقدمة، معجزة! قالها الطبيب، ولم يعلق أيٌ من الزوجين.

إنتقل الزوجان لمصر، وذهبا للطبيب وقال له الزوج وهو مختال: مش عايزة حاجة من حد، ثلاثة ومن غير مساعدة، معايا الفلوس من عرقي، والولد هاييجي من مجهودي برضه، هاهاهاها. نظر له الطبيب باستغراب: قل الحمد لله!ـ

ردّ الزوج: حضرتك ممكن تسيب شغلك وهتاخد اللي إنت عايزه، بس تتابع المدام والبهوات الصغيّرين يوم بيوم، لغاية ما يوصلوا، هو ممكن أعرف نوعهم إيه يا دكتور؟

بعد فترة، أظهرت الآشعة ثلاثة ذكور! كاد عقل الزوجين أن يطير!، حذّرهما الطبيب من أي مجهود، الزوجة قاربت على الثامنة والثلاثين من العمر، و حالة الرحم نتيجة لكثرة عمليات إستصال الأورام الليفية لن تكون جيدة بما يتحمل ثلاثة توائم، ولهذا غالباً ما ستلد قبل ميعادها بفترة.

لم يمر أسبوع على هذا الخبر "السعيد" حتى حدثت الكارثة!ـ
أزمة مالية طاحنة في أسواق شرق آسيا ضربت تايلند وأندونيسيا وكوريا الجنوبية وأثّرت على الصين وماليزيا.. خسر الزوج معظم أمواله خارج مصر! واضطر لبيع بعض الإستثمارات في مصر لتغطية ديونه!ـ
شعر الزوج بشبح الإفلاس يزحف على صدره، كيف سيُربي أولاده؟ ومن أين؟
تدهورت الأوضاع المالية للزوج من تبعات الأزمة المالية، وأتمت الزوجة أسبوعها العشرين في الحمل!ـ
وهنا حدثت كارثة أخرى!ـ



تمزق مبكر في الغشاء الأمنيوسي الذي يحيط بالأجنة، نتج عنه دخول بكتريا وإلتهاب بالسائل الأمنيوسي والأنسجة المحيطة بالأجنة. إرتفعت حرارة الأم بشكل مفاجيء، ولم يستطع الزوج الذهاب لمستشفى خاص، واتصل بالطبيب الذي يعرف ظروفه جيداً وقال له: روح لمستشفى النسا في الدمرداش واسأل على قسم العلاج الإقتصادي، هايكون مناسب جداً، وخلي النائب يكلمني أول ما توصلوا.
وفي هذه الليلة، كنّا مقيمين في كشك الولادة بمستشفى النساء والتوليد بجامعة عين شمس، وشهدنا الفصل الأخير من الأحداث.

ـ"يا أستاذ، يا أستاذ، الدكتور بيستأذنك تمضي على الإقرار ده قبل العملية".. سمعها الزوج زائغ العينين من الطبيب المقيم.
الزوج: إقرار إيه يا دكتور؟
الطبيب: المدام حصل لها تمزق الغشاء اللي حولين الأجنة قبل معاده، ونتج عنه إلتهاب في الرحم، وللأسف مضطرين ننزل الحمل ده، وإحتمال نشيل الرحم. هانحاول مانشيلوش بس في إحتمال نضطر لده عشان الرحم مليان غُرز من عمليات إستصال الأورام الليفية الكتيرة قبل كده.. إستمرار الوضع ده في خطر على حياة الأم.... أنا آسف، بس حضرتك هو ده اللي حصل، إتفضل إمضي هنا!ـ
الزوج: الولد اللي قعدت مستنيه عشرين سنة، وبعد ما ييجي تلاتة، عايزني أمضي على قتلهم؟
الطبيب: قدّر الله وما شاء فعل. ماحدّش قصّر في حاجة حضرتك.

بعد ما قمت بقياس الضغط والنبض للزوجة، التي كانت تبكي بشكل هستيري وهي تضع يدها على بطنها المنتفخة المؤلمة، وتنظر لها ثم تنظر للسماء... خرجت لإبلاغ الطبيب بنتيجة الملاحظات، وجدت الزوج جالساً على الأرض يبكي وبيده المرتعشة يوقّع على إقرار العملية، وهو يتمتم: كل حاجة راحت...أنا الي عملت في نفسي كده.....يارب.....يارب....

لا أدري لماذا تذكرت نهاية الفيلم الشهير "جري الوحوش" عندما خسر رجل الأعمال المحروم من الولد "نور الشريف" عقله ولم يحصل على الولد، وخسر صاحب الأولاد الفقير "محمود عبد العزيز" عقله أيضاً ولم يحصل على السعادة.... جاءت الآية القرآنية بصوت الراحل "حسين الشربيني" مُعبرة عن المشهد..
"وَمَن يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءَتْهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ".... البقرة:211
ـ"جهزوا أوضة العمليات وحد يبلّغ التخدير"........وانتهت القصة بالنسبة لنا

************

غادرت  المستشفى صبيحة اليوم التالي، وأنا أتأمل قوله تعالى في سورة الكهف، في تفسير العبد الصالح لسيدنا موسى عليه السلام، لماذا قتل الغلام؟
ـ"وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَاناً وَكُفْراً (80) فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْراً مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْماً (81)"ـ
معظم كتب التفسير تذكر أن الله علم بكفر هذا الغلام، وأنه سيكون سبباً لهلاك أبويه، فأراد الله أن يُبدلهما بخير منه، فرزقهما بنت تزوجت بنبي أو نجبت أنبياء لبني إسرائيل..

سألت نفسي: لماذا فسّروا الإبدال من جنس ما حُرم منه الأبوين؟ هل بالضرورة أن تحدث الأمور في الدنيا بهذا النمط؟
ـ"خيراً منه زكاة وأقرب رُحماً" ... هل يمكن أن يكون صبر الزوجين على المصيبة فيه تطهير للنفس، وإقدام على الإنفاق في الخيرات"كفالة أيتام مثلاً"، ووصل ما انقطع من أرحام؟

ليس هذا تفسيراً، ولكنه تأمل للآية بعد هذه الحادثة، لو كان الزوجين فقها هذه الآية، لوَصَلَ الزوجُ رَحِمَهُ التي قطعها ظنّاً منه أنهم طامعون في ماله. ماذا لو كان تصدّق مما رزقه الله مِن مال شكراً على هذه النعمة؟

ليس بالضرورة أن يرزق الله الجميع بالولد، أو بالمال.. هذا من قدر الله... وهو الإبتلاء =الإمتحان، سواء بالخير أو الشر، وما سُنحاسب عليه هو تصرفنا حيال أقدار الله!ـ
قدر الله لفلان هذا المال دون الولد، وقدر لآخر العكس،، فكيف تصرف كل منهما؟

وقدر لها المال والولد، وحرم الآخر منهما، فكيف تصرف كل منهما؟
هل السعادة فيما نراه نحن، أم فيما يريده الله لنا؟
كم مرة حدث لك ما تريد، ثم ظهر أنه لم يكن بالأهمية التي ظننتها؟
وكم تعرضنا لمصائب وإبتلاءات بالإشتراك مع آخرين، وتباينت ردود أفعالنا؟؟


هذا هو المحك، وهذا هو ما سنُحاسب عليه!ـ

ولا يعني هذا أن لايسعى كل مننا لتحصيل متع الدنيا، ولكن عليه ألا ينسى أن الدنيا بما فيها ملكُ لله، يٌعطيها من يشاء لعباده، المؤمن والكافر.. ولكن الآخرة (وهي نتيجة ما فعله العبد في إمتحان الدنيا)، الآخرة يعطيها الله للمؤمنين من عباده، وهو إختيار العبد بإرادته الحرة.
ظنّ الزوج أنه حصل على المال من أبيه، ثم من عمله وذكائه "إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي" .... القصص:78
وآمن بعجزه عن الإتيان بولد، لكنه أساء الأدب مع الله، فما الذي حدث؟
أخذ الله منه المال، وأعطاه بدل الولد ثلاثة! فهل شكر الله؟
هل إستطاع تعويض خسارته في المال؟
هل إستطاع الحفاظ على الولد؟

هل ما حدث معه إنتقام إلهي؟... أم عدل؟... أم هو لُطفٌ من الله وفرصة لتصحيح الأوضاع مع الخالق قبل الموت، وبالتالي تعكس حباً من الله تعالى له؟؟
كل هذه الإجابات تتوقف على قراءة الرجل للمشهد!، وهذا ما يعكس وجهاً آخر من طبيعة الدنيا كدار إمتحان، الأحداث والأسئلة تكاد تكون متشابهة عبر الزمان والمكان والأشخاص،،،، ما يختلف هو ردود أفعالنا وطريقة إجابتنا على الأسئلة!ـ

لا نعلم كيف أجاب الزوجين على هذا الإمتحان، وكيف تركهما؟
لكنه بالتأكيد، أنّه ترك أثراً عميقاً في نفوس من حضروه، وخاصةً من تأملوه، فماذا عمّن قرأوه؟؟


د.أحمد جلال



مراجع لما ورد في هذه القصة:ـ

الأزمة المالية لدول جنوب شرق آسيا (1997)ـ
http://www.pbf.org.ps/site/?q=pages/view/6446

تفسير الآية 81 من سورة الكهف
http://www.alro7.net/ayaq.php?langg=arabic&aya=81&sourid=18

PROM in the Second Trimester
http://emedicine.medscape.com/article/261137-overview#aw2aab6b6

Diagnosis and Management of Clinical Chorioamnionitis
http://www.ncbi.nlm.nih.gov/pmc/articles/PMC3008318/